الثلاثاء، 6 أبريل 2021

انتشار البدع و خطره على التمسك يالسنة النبويّة

 

مما لا ريب فيه أنَّ من آثار شيوع البدع بين المسلمين إماتة السنن و تعطيل العمل بها فيما بينهم.

 

لذلك يذهب كثير من العلماء إلى تعريف البدعة بأنها ما قابل السنة، و يقولون: إن البدعة هي خلاف السنة، فما خالف النصوص فهو بدعة، باتفاق المسلمين[1].

 

و هذا المذهب يكتسب وجاهة خاصة من علاقة التضاد بين السنة و البدعة، فالفعل الواحد ذاته، لا يمكن أن يكون بدعة و سنة في وقت واحد.

 

لأن السنة جاءت بذم البدع، و دعت إلى الإعراض عنها، و محاربتها، و التبرئ منها و من أهلها، فلا يمكن أن تقوم بدعة قبالة السنة و؛ لأن القلب لا يتسع إلى الأمر و نقيضه.

 

فكلما شاعت البدع، انزوت السنن، حتى تموت السنن، و تفشوا البدع [2]، لأنه ما ظهرت بدعة إلا و ماتت سنة من السنن، في مقابلها و ما أشيعت إلا بعد أن تخلى الناس عن السنة الصحيحة، و فسدت نفوسهم، فكانت البدعة كالعلامة الدالة على ترك طريق السنة [3].

 

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (( لا يأتي على الناس زمان الإ أحدثوا فيه بدعة، و أماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع و تموت السنن )) [4].

 

و كان محمد بن سيرين يقول: ( ما أحدث رجل بدعة فراجع السنة )، و في رواية: ( ما أخذ رجل ببدعة فراجع سنة ) [5].

 

و قد يكون اعتماد من قرن بين شيوع البدع، و موت السنن على ما روي عن غضيف بن الحارث [6]، قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان [7] فقال: يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: و ما هما؟ قال رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، و القصص بعد الصبح و العصر، فقال: أما إنهما مثل بدعتكم عندي، و لست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما أحدث قوم بدعة، إلا رفع مثلها من السنة ))[8]. فتمسك بسنة خير من إحداث سنة.

 

و هذا الحديث لا يسلم من طعن، فلا حجة فيه، على أن المعنى المراد منه صحيح تشهد له عمومات الأدلة الشرعية.

 

و قال حسان بن عطية[9]: (( ما ابتدع قوم في دينهم بدعة إلا نزع الله مثلها من السنة ثم لا يردها عليهم إلى يوم القيامة ))[10].

 

و إذا أريد للسنة أن تحيا فلا بد في المقابل من إماتة البدعة، فكما أن هجر السنة يحيي البدع، لا ريب أن التمسك بالسنة يميتها.

 

قال شيخ الإسلام: (( إن هجر ما وردت به السنة، و ملازمة غيره قد يفضي إلى أن يجعل السنة بدعة و المستحب واجباً ))[11]، و كفى بهذا خطراً على الإسلام، و جناية على الشريعة.

 

و قد حرص سلفنا الكرام على التصدي لكل ما من شأنه أن يفتح الباب أمام إشاعة البدع، و إماتة السنن، و كفى مثالاً على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينهى الإماء عن لبس الجلباب و التقنع به، و يضرب على ذلك، فقد روي عن أنس رضي الله عنه، أنه قال: (( رأى عمر أمة لنا مقنعة، فضربها، و قال: لا تشبهن بالحرائر ))[12].

 

و قال أنس رضي الله عنه أيضاً: (( كن إماء عمر رضي الله عنه يخدمننا كاشفات عن شعورهن، تضطرب ثديُّهن )) [13].

 

قال الإمام الطرطوشي رحمه الله[14]: فهموا أن مقصود الشرع المحافظة على حدوده، و أن لا يظن الناس أن الحرة و الأمة في الستر سواء، فتموت سنة، و تحيا بدعة. اهـ [15].

 

فانظر رحمك الله إلى ورع القوم و قد أخذوا الإسلام غضاً طرياً، كيف كانوا يخافون على السنة و يخشون عليها من الزيادة و اللبس، و قف حيث وقفوا فإنك في زمن عزَّت فيه السنن.



[1] انظر: السنة و البدعة، للحضرمي، ص: 104.

[2] انظر: مجموع الفتاوى: 20 / 163.

[3]البدعة و المصالح المرسلة، لتوفيق الواعي، ص: 210.

[4] أخرجه الطبراني في " الكبير " 10 / 319، و ابن وضاح في " البدع " ص 25 – 26، و ابن بطة في " الإبانة " 1 / 176 ( 10 )، و اللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " ( 124 و 125 ) من طرق عن عبد المؤمن بن عبيد الله، عن مهدي بن أبي مهدي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه به. و في بعض ألفاظه: ( ما من عام إلا و تظهر فيه بدعة، و تموت فيه سنة، حتى تظهر البدع و تموت السنن ). قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " 1 / 188: ( رواه الطبراني في الكبير، و رجاله موثقون ).

قلت: رجاله كلهم ثقات، سوى مهدي بن أبي مهدي، و هو: ابن حرب الهجري، روى عنه اثنان، و قال ابن معين: ( لا أعرفه ). و ذكره ابن حبان في " الثقات "، و صحح ابن خزيمة حديثه. كما في " تهذيب التهذيب "10 / 324.

و قال فيه ابن حجر في " التقريب " ( 6928 ): ( مقبول ).

[5] أخرجه الدرامي ( 208 ) في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي، و الهروي في " ذم الكلام " ( 756 )، من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن ليث، عن أيوب، عن ابن سيرين به.

و أورده السيوطي في " الأمر بالاتباع " ص 17، و أبو شامة في " الباعث " ص 16.

قلت: و رجاله ثقات سوى ليث، و هو ابن أبي سليم " ضعيف " كما سبق.

[6] غضيف بن الحارث رضي الله عنه، هو: السكوني الكندي، و يقال الثمالي، أبو أسماء الخمصي، مختلف في صحبته ؛ و الراجح ثبوتها، و إنما و قع الخلاف بسبب جمع بعضهم بينه و بين غطيف بن الحارث.

[7] عبد الملك بن مروان، هو: ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة الفقيه، أبو الوليد الأموي، تملك بعد أبيه الشام و مصر، ثم حارب ابن الزبير الخليفة، و قتل أخاه مصعباً في و قعة مسكن، و استولى على العراق و جهز الحجاج لحرب ابن الزبير، فقتل ابن الزبير سنة 72 هـ / 691 م، و استوثقت الممالك له. توفي سنة 86 هـ / 705 م.

[8] إسناده ضعيف: أخرجه أحمد في " المسند " 4/105، و البزار في " مسنده " ( 1 / 82 – كشف )، و الطبراني في " الكبير " 18 / 99 ( 178 )، و ابن قانع في " معجم الصحابة " 2 / 316 ( 855 )، و ابن بطة في " الإبانة الكبرى " 1 / 176 ( 10 )، و اللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " 1 / 90 ( 121 ) من طرق عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن حبيب بن عبيد، عن غضيف بن الحارث به.

و صحف اسم ( غضيف ) في المعجم الكبير للطبراني، و قد نبه على ذلك ابن حجر في " الإصابة " 5 / 276.

قال ابن حجر في " الفتح " 13/ 253: ( و قد أخرج أحمد بسند جيد، عن غضيف..) فذكره.

قلت: و فيه نظر ؛ لما سيأتي. و نقل المناوي في " فيض القدير " 5 / 412، 471 عن المنذري، قال: ( سنده ضعيف ).

و قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " 1 / 188: ( رواه أحمد و البزار، و فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم و هو منكر الحديث ).

قلت: و مدار الحديث عليه، و قال ابن حجر في " التقريب " ( 7974 ): ( ضعيف، و كان قد سرق بيته فاختلط ).

[9] حسان بن عطية، هو: الإمام الحجة أبو بكر المحاربي مولاهم، الدمشقي، أحد العباد، تابعي روى عن أبي أمامة الباهلي، و ثقه أحمد، و ابن معين.

انظر ترجمته في: الجرح و التعديل 3 / 236، حلية الأولياء 6 / 70، سير أعلام النبلاء 5 / 466، تهذيب التهذيب 2 / 251.

[10] أثر حسان صحيح: أخرجه الدارمي ( 99 ) في مقدمة " سننه "، و ابن وضاح في " البدع " ص 44، و ابن بطة في " الإبانة الكبرى " ( 228 )، و أبو نعيم في " الحلية " 6 / 73، و اللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " ( 129 )، و الهروي في " ذم الكلام " ( 913 ) من طرق عن الأوزاعي، عنه.

[11] مجموع الفتاوى 22 / 67.

[12] صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " 2 / 41 عن و كيع، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه به.

قلت: و إسناده صحيح، رجاله ثقات أعلام، رجال الشيخين. و تابع شعبة: معمر عند عبد الرزاق في " المصنف " 3 / 136 ( 5064 )، و له طرق أخرى عند عبد الرزاق و ابن أبي شيبة.

و قال ابن حجر في " الدراية في تخريج أحاديث الهداية " 1 / 224: ( أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح ).

و قال البيهقي: ( الآثار عن عمر بذلك صحيحة ).

و قال ابن المنذر: ( ثبت أن عمر قال لأمة رآها مقنعة: اكشفي رأسك، و لا تشبهي بالحرائر، و ضربها بالدرة ). انظر: إرواء الغليل للألباني 6 / 203.

[13] إسناده جيد: أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 2 / 227 من طريق حماد بن سلمة، حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس رضي الله عنه به.

و قال البيهقي: ( الآثار عن عمر بذلك صحيحة ).

[14] الطرطوشي، هو: محمد بن الوليد بن خلف، أبو بكر الأندلسي، الفقيه المحدث، عالم الإسكندرية، و طرطوشة: هي آخر مدن المسلمين من شمالي الأندلس، الإمام الزاهد، القدوة الفقيه، شيخ المالكية، دين ورع، صاحب رحلة، توفي بالإسكندرية سنة 520 هـ / 1126 م.

انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال 2 / 575، بغية الملتمس ص 135 – 139، معجم البلدان 4 / 30، وفيات الأعيان 4 / 262 – 265، سير أعلام النبلاء 19 / 490، حسن المحاضرة 1 / 452.

[15] الحوادث و البدع، للطرطوشي، ص: 114.

إذا كنت تحتاج إلى عدد أكبر من الفقرات يتيح لك مولد النص العربى زيادة عدد الفقرات كما تريد. هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة, ومن هنا وجب على المصمم أن يضع نصوصا مؤقتة على التصميم ليظهر للعميلً

v2

مرحبا بكم في سجل الزوار

تم إنشاء هذه الصفحة خصيصا لزوارنا ومتابعينا الأفاضل ليدلو بأرائهم حول هذه المدونة وترك إنطباع نتشرف بعطره
ها أنت ذا!..فاكتب كيف تجد المدونة ؟.. نحتاج نصيحتك ؟.. أواكتب ان شئت نقدك ؟ المهم نحافظ على العرف والأصول

يشرفنا رأيكم، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية:
يرجى كتابة عبارات مفهومة باللغة العربية تصف المحتوى
تجنب وضع روابط أو عبارات إشهارية
عدم وضع أكثر من تعليق واحد
رجاءا إذا لاحظت أي إنتهاك يرجى إستعمال زر التبليغ