الخميس، 12 أغسطس 2021

فضل إقامة حدود الله في الأرض

 المؤلف: عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف

تخيل لو أن حدود الله طبقت على البشر في الأرض، فالسارق يقطع يده، والزاني يرجم ويجلد، فالله وضع هذه الحدود حتى لا يختل نظام الكون، فكيف السبيل لتطبيق هذه الحدود، وما فائدة تطبيقها

 

مدخل:
لما عصى آدم ربه سبحانه وتعالى في السماء، وأهبطه الله إلى الأرض كلمه قائلاً: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 123 - 124] ، في هذه الآية بيان أن شريعة الله لآدم والرسل من بعده هي العاصمة من الضلال في الدنيا، والشقوة في الآخرة. ولذلك لم تقتصر شريعة الله للأنبياء على ما يقومون به من فروض تعبدية نحو الله بل شملت تنظيم سائر حياة البشر من زواج وطلاق وميراث، ومعاملات مالية، بل وكل ما يحتاجه الإنسان ليؤسس حياة طيبة طاهرة على الأرض. ولكن الشيطان الذي أخذ على نفسه عداء آدم وذريته استطاع أن يجتال طائفة كبيرة من بني آدم عن طريق ربهم ويصرفهم عن شريعته بشرائع أخرى اخترعوها لأنفسهم فوقع بها الشر والفساد والظلم في الأرض.


وإذا كانت البشرية في عصورها السابقة لم تمتلك التجارب الكافية لتقارن بين نتائج تطبيق شريعة الله وشرائع الشيطان فإنها في عصرنا هذا تمتلك تراثاً ضخماً للإسلام والجاهليات المختلفة عبر العصور وتستطيع أن تشاهد إلى أي مدى يوجد الفارق الشاسع بين تطبيق شريعة الله حيث يحل النور والعدل والصلاح وبين تطبيق شرائع الشيطان حيث ينتشر الفساد والظلم بكل الصور والأشكال.


ولا شك أن شريعة الإسلام المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم هي أكمل شرائع الله ففيها رفع الله الآصار والأغلال والتضييق الذي كان على الأمم السابقة ولم يجعل سبحانه فيها علينا حرجاً بوجه من الوجوه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]، وقد أتمها الله لتشمل شئون حياتنا كلها فلا تحتاج بعدها إلى غيرها ولا نحتاج لمزيد عليها كما قال تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ (المائدة: 3) ، وقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ (النحل: 89).


بركات الشريعة:
ولا شك أيضاً أن بركات الشريعة المطهرة لا تحصى، فأول ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أناط خير الدنيا بتطبيق شريعته. قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ [المائدة: 66]، وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا أنها تنسحب علينا أيضاً، وقال أيضاً سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]، ولذلك ما أرسل الله رسولاً إلا ذكر قومه أن طاعة الله هي السبيل إلى استدرار رحمته في الدنيا، كما قال نوح لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10، 12]، وكذلك قال هود لقومه: ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ﴾ (هود: 52) ، ونفس هذا تقريباً ما أعلنه الله في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حيث استفتح سورة من القرآن بقوله تعالى: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ [هود: 1 - 3]، ولا شك أن المؤمنين يصدقون بوعد الله ويعلمون يقيناً أن خير الدنيا والآخرة في اتباع مرضاته. وإذا كان ثم من يكذب بهذا الوعد ولا يرى رابطاً وسبباً بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم، وبين نزول المطر ووفرة الزراعات ورواج التجارات. فإن ثمة روابط مادية أيضاً يشاهدها كل ذي بصر من مؤمن وكافر بين هذا وذاك، فالصلاة والصيام تربية وتزكية لضمير الفرد وتوجيه له نحو البر والإحسان، ومحبة الخير للناس، ولا شك أن من هذا صفته أجاد صناعته وزراعته، ولم يغش في تجارته، ولم يقبل رشوة إن كان موظفاً، وحافظ على الأموال العامة من الضياع، ولا شك أن مجتمعاً تكون عامته وأكثريته على هذا النحو سيكون مجتمعاً للرخاء والثروة وزيادة الإنتاج.

 

ولا شك أيضاً أن في إخراج الزكاة أعظم فائدة لنماء الأموال والقضاء على الثورات والشحناء التي تشل الاقتصاد وتوصل البلدان إلى الخراب والدمار. وفضل الحج وهو عبادة في التقريب بين الشعوب الإسلامية لا ينكر ومع التقريب تحصل المودة وتتبادل المنافع التجارية والصناعية والزراعية، والعالم كله يسعى إلى إقامة مؤتمر كالحج تنتفي فيه الفروق بين البشر ولا يستطيع، وهذا في العبادات وأما المعاملات فهي أبلغ من ذلك لأنها تستهدف أصلاً رفع الظلم وإقامة العدل في الأرض، ولا شك أن الظلم يتبعه الخراب، وأن العدل يتبعه الرخاء والنماء. فلماذا لا تكون إقامة شريعة الله، تعني انفتاح البركات وزيادة الخيرات. ولا شك أيضاً عند كل ذي لب من مؤمن وكافر أن إقامة الحدود أعني العقوبات الشرعية هي من أكبر أسباب زيادة الخيرات والبركات فقطع يد السارق يعني المحافظة على الأموال وخروجها من المخابىء ليعمل بها في التجارات والزراعات والصناعات، لأن رأس المال جبان -كما يقولون- فإذا توفرت له الحماية خرج، وإذا انتشرت اللصوصية والظلم اختبأ أو هرب، ولا شك أيضاً أن قتل القاتل ردع عن هذه الجريمة المسببة لخراب العمران وتقطيع أوصال المجتمعات، وناهيك بتنفيذ حد الزنا حيث يقطع دابر البغاء، وإنفاق الأموال في غير وجهها، ويقطع الطريق على إنجاب أولاد الزنا الذين هم آفة المجتمعات، فالطفل الذي ينشأ لا يعلم له أباً يمتلئ قلبه بالحقد والكراهية للمجتمع، ولا شك أنه يظلم الناس إذا وجد الفرصة لذلك. ولهذا كان عامة المنحرفين والمجرمين من هؤلاء.


والمجتمع الإسلامي الذي يظهر على هذا النحو من النظافة والطهر لا شك أنه سيكون مجتمع الخير والبركة والنماء. فلماذا تنكر إذن أن يكون هناك رابط وسبب مباشر تراه كل عين ويفقهه كل قلب بين تطبيق الشريعة المطهرة وبين الرخاء المادي والسعادة الدنيوية. وصدق الله القائل: ﴿ من عمل عملاً صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ (النحل: 97) . ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إقامة حد في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً] رواه النسائي وابن ماجة.

إذا كنت تحتاج إلى عدد أكبر من الفقرات يتيح لك مولد النص العربى زيادة عدد الفقرات كما تريد. هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة, ومن هنا وجب على المصمم أن يضع نصوصا مؤقتة على التصميم ليظهر للعميلً

v2

مرحبا بكم في سجل الزوار

تم إنشاء هذه الصفحة خصيصا لزوارنا ومتابعينا الأفاضل ليدلو بأرائهم حول هذه المدونة وترك إنطباع نتشرف بعطره
ها أنت ذا!..فاكتب كيف تجد المدونة ؟.. نحتاج نصيحتك ؟.. أواكتب ان شئت نقدك ؟ المهم نحافظ على العرف والأصول

يشرفنا رأيكم، لكن يرجى مراعاة الشروط التالية:
يرجى كتابة عبارات مفهومة باللغة العربية تصف المحتوى
تجنب وضع روابط أو عبارات إشهارية
عدم وضع أكثر من تعليق واحد
رجاءا إذا لاحظت أي إنتهاك يرجى إستعمال زر التبليغ